بحث متقدم

بواسطة إدارة الموقع في 1/11/2011 3:30:39 (596 القراء)

عنوان المقال: تكرار القرآن
- كاتب المقال: سامي الظاهري

أي حفظ لا تكرار فيه فالغالب أنه ينسى ،

وما بقي معنا إلا ما كررناه ، وكم ضاعت أعمارنا في الحفظ السريع ، ولو أننا حفظنا قليلاً ثم كررناه لصرنا اليوم شيئاً آخر !!

الشناقطة بهروا الناس بقوة الاستحضار والضبط ؟ بعضهم يكرر : 300 مرة ، و 500 مرة

التكرار هو نهج السلف:

سأل أحد تلاميذ الحافظ أبي مسعود الدمشقي فقالوا له :كيف يُستعان على حفظ هذه الأحاديث بأسانيدها ؟ فقال لهم : أيكم يرجع في حفظ حديث واحد خمسمائة مرة ؟ فقالوا له : ومن يطيق ذلك؟ فقال لهم : لهذا لا تحفظون .

مهما حاولت أن تأتي بوسيلة أو سبيل للحفظ لا يمكن أن تأتي بأعظم ولا أحسن ولا أفضل، ولا أشد أثراً ولا أعظم مردوداً من التكرار، فالتكرار هو الحفظ، وهو الوسيلة الحقيقية للحفظ..

وهكذا كان العلماء يقرءون المرات الكثيرة، يعيدون مراراً وتكراراً حتى يحفظوا، كان الحسن بن أبي بكر النيسابوري يقول: لا يحصل الحفظ لي حتى يُعاد خمسين مرة.

لابد من الإعادة، لا تفكر -يا طالب العلم- بأن تأتي بوسيلة أخرى غير التكرار والإعادة ،

قد تختلف وسائل الإعادة والتكرار، لكن يبقى الأصل هو الإعادة والتكرار، ولما سُئل البخاري رحمه الله تعالى عن سبب حفظه، قال كلاماً معناه: لم أجد أنفع من مداومة النظر، فلابد من تكرير الكلام مراراً وتكراراً، هذا هو سبب الحفظ.

وكلما كان التكرار أكثر ثبتت قاعدة الحفظ، فلا يحتاج إلى أوقات أخرى لاسترجاعه عند النسيان،

لابد من الإعادة والمراجعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعاهدوا القرآن فإنه أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم من عقلها) أي: الإبل التي تحاول دائماً التفلت. ولذلك تعاهدوا القرآن: أي كرر وراجع ، ثم كرر وراجع ، ثم كرر وراجع ، دائماً، هذا هو الحفظ. وكان بعضهم لا يخرج كل غداة حتى ينظر في كتبه، ويتعاهد المحفوظ دائماً،

التكرار ثم التكرار ثم التكرار ...

عدة سور حفظتها بدون تكرار .. أي خلال ربع ساعة أو نصف ساعة .. وأُنسيتها ..

بينما التي ظللت أرددها عشرات المرات نسخت في الذاكرة بإذن الله .

كما قيل في الأمثال الدارجة " التكرار يعلم الشطار "

جربت طريقة التكرار مع طلاب أعمارهم ثماني سنوات

حيث يتم تكرار الحفظ الجديد لمدة نصف ساعة

ثم مراجعة المحفوظ السابق في نصف ساعة أخرى

فأبهرتنا النتيجة حيث أتقن جميع الطلاب جزءا كاملا خلال ثلاثة أشهر

فأتمنى من طلاب العلم الاهتمام بهذه الطريقة لأنفسهم ولتعليم غيرهم.

أسأل الله العظيم أن يجعلنا من أهل القرآن وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


بواسطة إدارة الموقع في 15/10/2011 10:31:23 (520 القراء)

عنوان المقال: تفاوت قدرات الناس في الحفظ
- كاتب المقال: الشيخ / أحمد الطويل


ليس لحفظ القرآن سن معينة , فالصحابة حفظوا القرآن كباراً, وإذا كان الأطفال أرسخ حفظاً وأسرع استجابة, فإن الشباب أكثر استيعاباً وإتقاناً, وكبار السن أكثر إدراكاً ووعياً.
وذاكرة الحفظ تعتمد على عوامل فطرية يستوي فيها الجميع , قوة وضعفاً وتوسطاً , وقدرات الناس في ذلك مختلفة, فمنهم بطيء الحفظ , ومنهم سريع الحفظ , ومنهم من يمسك الحفظ , ومنهم من يتفلّت منه سريعاً.
ولكن التجارب العملية أثبتت أن الحفظ بالنسبة للأطفال, قبل سن المراهقة , ميسّر لهم أكثر من غيرهم , وهو كالنقش في الحجر إن بقي متعاهداً له, مستمراً في مراجعته, وإلا ضاع وتفلّت.
وسوف أتكلم بحول الله تعالى, عن حفظ الصغار أولاً , ثم الكبار, يما يلي:
المبحث الأول: حفظ القرآن بالنسبة للصغار:
الحفظ بالنسبة للصغار , من 5 إلى 9 سنوات: وفيه تمهيد ومطلبان:
تمهيد: أنسب سن لحفظ القرآن الكريم هو الذي يبدأ من الخامسة إلى التاسعة , حيث قلة الصوارف , والشواغل, والدروس, وصفاء الذهن, وتقبّل النصائح, وسهولة التوجيه والانقياد, وهيمنة الأب الكاملة, وبعد هذه السن يقل من يتمكن من الحفظ الكامل للقرآن, فكيف يتم ذلك؟
فيه مطلبان:
المطلب الأول: طريقة حفظ القرآن:
يمكن استغلال سن الصبي على النحو التالي:
1- تعلم القراءة والكتابة أولاً:
يتعلم الصبي الهجاء والكتابة والإملاء وحُسن النطق, في العام السادس من عمره, والسنة الواحدة كافية لتعلم الهجاء, مع الجد والمثابرة, والعناية الخاصة بالصبي.
2- الحفظ الأول وكيفيته:
يبدأ الصبي من أول عامه السابع: يحفظ كل يوم سورة, من قصار السور, من أواخر المصحف, على يد قارئ - واحد لا يتغير - حافظ متقن, يصحح الشيخ للتلميذ القدر المراد حفظه في المصحف , أكثر من مرة حتى يتقوم لسانه, وينطق الحروف نطقا صحيحياً.
ثم يترك الصبي ليحفظ هذا القدر جملة جملة, وآية آية, ويضم بعضها إلى بعض, ثم يكرر المقدار المراد حفظه كله, نحو عشر مرات ويتركه هذا اليوم.
وفي اليوم التالي يحفظه من جديد , بلا خطأ واحد.
ثم يقرؤه ( غيباً ) على الشيخ , ولا يقبل من الشيخ خطأ واحداً , وبعد قراءته لواجب اليوم, يصحح على الشيخ المقدار المناسب المراد حفظه غداً , ليكرره اليوم جملة جملة, وآية آية, عدة مرات, تمهيداً للحفظ التام, كما فعل بالأمس.
ويأتي غداً ليقرأه ويصحح غيره, وهكذا.
وبعد قراءة الواجب اليومي غيباً , وتصحيحي واجب الغد نظراً , يقرأ غيباً على الشيخ ما سبق له أن حفظه في الأيام الماضية.
واختيار الشيخ المتقني, عربي اللسان, له تأثير كبير في إتقان الحفظ وحسن الأداء.
لابد كل يوم من ثلاثة أشياء:
أ‌- قراءة واجب اليوم غيباً.
ب‌- نلاوة واجب الغد وتكراره نظراً.
ج‌- قراءة الماضي الذي سبق له حفظه, ويقرأ بعضه فقط إن كان كثيراً, أو كله إن كان قليلاً. وكلما تم له حفظ سوره يقرؤها كاملة غيباً على الشيخ بالإضافة إلى الحفظ الجديد.
3- مقدار الحفظ اليومي:
يحفظ الصبي في بادئ الأمر مقدار سطر واحد كل يوم, وبعد شهر يحفظ سطرين, ويتضاعف مقدار الحفظ وهكذا.
بحيث يكون خمسة أسطر وهو في الجزء التاسع والعشرين.
وسبعة أسطر في الجزء الذي قبله.
وصفحة كاملة بعد ثلاثة أجزاء.
وربع الحزب كاملاً بعد عشرة أجزاء, من أسفل صعوداً, حتى ينتهي إلى أول القرآن, حيث إن البدء بالمفصّل أسهل.
المطلب الثاني: عوامل تساعد على الحفظ وتثبيته:
مما يساعد على الحفظ:
1- كتابة المراد حفظه:
يساعد على الحفظ كتابة القدر المراد حفظه, وأن يحفظ الطالب في طبعه معينة , ومصحف خاص فإن غيره فليكن من الطبعة ذاتها , فالرسم الواحد يُعين على الحفظ , لأن صورة الآيات ومواضعها تنطبع في الذهن.
2- فهم المعنى:
فهم الآيات, ومعرفة أسباب النزول, والأحكام الشرعية فيها, والقصص القرآني بالنسبة للكبار, من أهم العوامل المساعدة على الحفظ.
3- معرفة التشابه:
معرفة التشابه اللفظي , وتحديد كلمات الخلاف بين الألفاظ المتشابهة, والموازنة بينها, ومعرفة مواضعها, تكون بقوة الحفظ وجودته, وبكثرة المراجعة, وبالتأمل وإمعان النظر, وهذا أكبر عامل في ثبات الحفظ.
وهناك كُتب عنيت بدراسة التشابه بين ألفاظ القرآن والموازنة بينه , بحيث لا يخفى على القارئ معرفته.
وقد يكون التحليل اللفظي للتشابه وبيان فرق المعنى , ووجه البلاغة والإعراب , وحصر حروف وكلمات الخلاف أيسر طريق لذلك.
4- التفكير في الحفظ:
ويساعد على الحفظ : إمرار المحفوظ على الذهن عند النوم , وقراءته في الصلاة ولا سيما النافلة, والتكرار الدائم له, وقراءته على شخص آخر, وربط المعاني والآيات ببعضها , وإعادة الحفظ كله بصفة دورية كل أسبوعين على الأكثر مرة, بقراءة بعضه غيباً كل يوم, والتفكير فيه عند القيام من النوم.
وكل ذلك يُعين على الحفظ الجيد.
5- ضم أجزاء السورة إلى بعضها:
يقرأ الطالب (غيباً) الربع الأول من السورة في واجبه اليومي, وفي اليوم التالي بعد تلاوة واجبه يضم إليه واجب الأمس, وهكذا إلى نهاية السورة, ثم يقرأ السورة كلها غيباً, دون خطأ فيها دفعة واحدة, مع الواجب اليومي الجديد من السورة الأخرى, وهكذا.
6- مراجعة ما سبق حفظه:
يقرأ الطالب على الشيخ مما سبق له حفظه ما يعادل نصف جزء كل يوم على الأقل غيباً, وكلما وصل إلى حيث حفظ, يرجع من جديد, بحيث لا يمضي عليه أكثر من خمسة عشر يوماً, دون العودة من جديد.
7- الحفظ الثاني: (الإعادة):
المراد بالحفظ الثاني: هو إعادة القرآن الكريم للمرة الاولى بعد حفظه مجزءًا, ويكون ذلك بأن يقرأ الطالب على الشيخ غيباً في كل يوم نصف جزء مع مراجعته الشخصية, وتعاهده لما حفظه على الشيخ, بتلاوة جزء كل يوم على الأقل من الجهة العكسية لما يقرؤه على الشيخ, حتى لا يُركز على مكان معين, ويضيع الآخر.
فإذا فرغ من إعادة الختمة الأولى فليقرأ غيباً مرة ثالثة, كل يوم جزءًا كاملاً على المدرس, لتقويم اللسان, وتقويم النطق والحروف, وتحقيق المخارج والصفات, وحركات الإعراب, ومعرفة الوقف اللازم والممنوع, وعدم الوقوع في اللحن الجلي, والخلط بين الحروف في الحفظ .. إلخ.
8- المراجعة المستمرة للقرآن:
لكي يبقى الحفظ مستمراً في الذهن؛ لابد من تعاهده باستمرار, شأن الحال المرتحل , يبدأ ويعيد, بأن يقرأ على نفسه غيباً, أو على غيره, كل يوم جزأين, ويختم القرآن كل أسبوعين بصفة دورية معه مرتين في العام الأخير, ومراعاة أحكام التجويد في المراجعة تقوي الحفظ وتثبته.
وننصح بأن تكون القراءة بصوت مسموع عقب صلاة الفجر, أو كما يتيسر له, كما ننصح بتلاوة القرآن مرتباً في الصلاة , إماماً أو منفرداً, في الفرائض والنوافل , وقراءة الإنسان على نفسه في الحفظ لا تفيده كثيراً والأولى أن يقرأ على غيره - في المراجعة - ليُمسك عليه الخطأ.
أما القراءة قبل الحفظ, فلابد أن تكون على شيخ متخصص, ليصحح له المقدار المراد حفظه, ثم يقرؤه عليه بعد الحفظ, ليتبين له سلامة الألفاظ وصحة الأداء, أما إن حفظ من المصحف أو من السماع فقط, فقد يبذل جهداً في الحفظ , ويتبين له بعد ذلك أن حفظه فيه أخطاء لم يعرفها أثناء الحفظ, لأنه لم يصحح على شيخ, أما المراجعة مرات متكررة بعد الحفظ الأول؛ فلا بأس أن تكون على كل من يُحسن القراءة.
ومراجعة ما حفظه غيباً في المصحف, غير مُجدية في إبقاء الحفظ, وإنما تكون المراجعة عن ظهر قلب.
9- العمل بما في القرآن أهم من حفظه:
كما يهتم المسلم بحفظ كتاب الله تعالى, وتجويده, وتقويم لسانه في نطقه, بالنسبة له أو لولده, فإنه يجب عليه أن يصرف همته إلى فهم القرآن وتدبر معانيه ومعرفة أحكامه, وأسباب نزوله, وحلاله وحرامه, وقصصه, وأمره ونهيه, ومن ثم إلى العمل والتطبيق, وانعكاس الأثر عليه, ويجب أن يكون الحث على هذا في مناهج التعليم, كما كان الصحابة لا يتجاوزون العشر آيات حتى يتعلّموا حلالها وحرامها, والعمل بما فيها, فتعلّموا العلم والعمل معاً.
ومن الوبال على الإنسان أن يخالف عمله علمه, وقوله فعله, فتجد بعضهم يحفظ القرآن, ولكنه يرتكب المخالفات الشرعية, والنكرات الظاهرة, والأمة بحاجة إلى قرآن يمشي بين الناس لا إلى زيادة عدد المصاحف نسخة.
قال الحسن: قراء القرآن على ثلاثة أصناف:
صنف اتخذوه بضاعة يأكلون به.
وصنف أقامو حروفه وضيعوا حدوده.
وصنف عمدوا إلى دواء القرآن فوضعوه على داء قلوبهم (1 ).

المبحث الثاني: الحفظ بالنسبة للكبار:
تختلف قدرات الناس وتتفاوت في الحفظ وكمياته, والإمساك به من عدمه, لذلك فإني سأضع عملية حسابية سهلة لمتوسطي الذكاء, مع ملاحظة : أن الشاب في سن العشررين أو الثلاثين مثلاً, عنده من الوعي والإدراك وفهم المعاني, والحفظ لبعض الآيات والسور, ما يسهل عليه إكمال المصحف حفظاً أكثر من الصغير إن تجرد من الهوى .

والقرآن الكريم ثلاثون جزءاً, وهي تسازي 240 ثمناً (ربعاً), أي أنه بالإمكان أن يحفظ في كل يوم ثمناً. وبهذا سوف يختم القرآن في 240 يوماً. لا مقطوعاً ولا ممنوعاً, إلا ما شاء الله تعالى.

فإذا كان مشغولاً, أو متوسط الخفظ فيقل المحفوظ , بحيث يحفظكل يوم صفحة واحدة (نصف الثمن9, وبذلك يتم له حفظ القرآن كله إن شاء الله في 480 يوماً أو نحوها, ويكون بتخصيص ساعة بعد صلاة الفجر أو غيرها في المسجد, وقبل الذهاب للبيت يومياً, يصحح الجديد, ويراجع القديم, ويتقن ما سبق حفظه مساءاً, مع الجد والمثابرة على ذلكو وتعاهد الحفظ على نحو ما سبق.

وطريقة حفظ الكبار لا تختلف عن الصغار, إلا في مقدار الحفظ اليومي, وإمكانية مراعاة تطبيق أحكام التجويد مع الحفظ, لقدرتهم على ذلك أكثر من الصغار.......

------------------
(1) مختصر المرشد الوجيز لأبي شامة ص 109 .


بواسطة إدارة الموقع في 28/09/2011 12:32:23 (475 القراء)

كيف نقرأ ونستمع لسورة المائدة؟
- كاتب المقال: د. عصام بن صالح العويد


يقول العلامة عبدالرزاق عفيفي ـ رحمه الله ـ : السورة كلها في العقود والمواثيق .

وهو كما ذكر فأولها (أوفوا بالعقود) ، وآخرها (يوم ينفع الصادقين صدقهم) ، واسمها مأخوذ من ميثاق المائدة العظيم الذي قال الله في ناقضيه (فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين) ، والعهود فيها أربعة : مع الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو المؤمنين أو الكافرين ، وكلها واجبة الوفاء .

و"المائدة" من أواخر ما نزل باتفاق السلف ، وأخرج أحمد في المسند عن جبير بن نفير قال : دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت : هل تقرأ سورة المائدة ؟ قلت : نعم . قالت : فإنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه .

وعن أبي ميسرة قال : في المائدة ثمان عشرة فريضة ليس في سورة من القرآن غيرها ، وليس فيها منسوخ .

وهي أول وأكثر سورة جاء فيها النداء بـ يا أيها الذين آمنوا فقد تكرر فيها النداء (16) مرة من أصل (89) في جميع القرآن .

وهذه النداءات تلخص المواثيق بين الله وعباده المؤمنين الواردة في هذه السورة العظيمة ، وهي مواثيق تتعلق بما يلي :

ميثاق الذبائح والأنكحة ، ميثاق الدخول في النسك ، الطهارة للصلاة ، العدل ، الثبات وعدم الارتداد ، شكر النعمة ، ميثاق الولاء والبراء ، كفارة اليمين ، عدم كتم الشهادة ، تحريم الغلو ، الصبر عند الابتلاء ، السمع والطاعة .

وهذا مرور سريع على هذه الندءات في "المائدة" :

النداء الأول: في ميثاق الأكل مما أباحه الله دون غيره .

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)

وهذا الميثاق ظاهر من قوله (أَوْفُواْ) ثم (أُحِلَّتْ)

النداء الثاني : في أن الدخول في الإحرام ميثاق بين الله والمتنسك .

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)

النداء الثالث : في ميثاق عدم دخول الصلاة إلا بطهور

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ..) 6

بعدها مباشرة قال سبحانه (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور) 7

النداء الرابع: ميثاق العدل مع جميع الخلق حبيبهم وبغيظهم

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) 8

النداء الخامس: ميثاق شكر النعم

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) 11

جاء بعده مباشرة نموذج لمن نقض العهود بكفر النعمة وعدم شكرها

(وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ* فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً .. ) 12 – 13

النداء السادس: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) 35

النداء السابع والثامن : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* ..* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ .

وعلاقتها بمقصود السورة تلوح وضوحاً .

هذه ثمان نداءات ، وبقي ثمان أخرى أدعها لك راجياً أن تتأمل في سبب تقارب بعضها من بعض :

النداء التاسع : 54 ، النداء العاشر : 57

النداء الحادي عشر : 87 ، الثاني عشر : 90 ، الثالث عشر : 94

النداء الرابع عشر : 101 ، الخامس عشر : 105 ، السادس عشر: 106

وفي آخر "المائدة" ذكر الله أنموذجين :

(قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ 115

فهذا مثال لعاقبة من نقض عهد الله

(قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) 119

وهذا وعد من أوفى بعهد الله

ولو أعملنا ما يُسمى بـ "لغة القرآن" سنجد أن المواثيق الغليظة (مِيثَاقًا غَلِيظًا) في القرآن ثلاثة :

أولها : ميثاق الله على أولي العزم من الرسل .

وثانيها : ميثاق الله على اليهود حين رفع فوقهم الطور .

وثالثها : ميثاق الزوجة على زوجها .

وفي الأخيرة هذه ومشابهتها في الوصف لأختيها ؛ أقول عجيب شأن هذا القرآن ،،


بواسطة إدارة الموقع في 12/09/2011 12:10:08 (641 القراء)

من سمات الشخصية الإيمانية في القرآن
الكاتب : علي حاتم



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلقد صنع القرآن من العرب -هذه الأمة الجاهلة- خير أمة أخرجت للناس، ولقد أعزهم الله بالقرآن فتحققت لهم السيادة على الدنيا بأسرها؛ ذلك لأنهم تأثروا بالقرآن تأثرًا بالغًا فنجحوا في إقامة حروفه وحدوده.

ولقد أدَّب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صحابته الكرام -رضي الله عنهم- بالقرآن؛ فتشكلت به شخصيتهم الإيمانية في أروع صورها، فلا يعرف عهد ولا تعرف جماعة ظهر القرآن في سلوك أفرادها مثلما ظهر في سلوك وأخلاق صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ومن القرآن نستطيع أن نتلمس بعض جوانب وسمات تلك الشخصية الإيمانية من خلال وصفه لذلك النموذج الرائع الذي لم تأتِ البشرية بمثله عبر عصروها الطويلة الممتدة؛ فمن ذلك أنها:

- تتصف بالعقل:

والعاقل: هو الشخص الذي يعرف مصلحة نفسه ويسعى في سبيل تحقيقها، وعندما طلب من المنافقين أن يؤمنوا كما آمن الناس -وهم الصحابة- قالوا: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} [البقرة: 13]، فوصفوا الصحابة -رضي الله عنهم- بالسفه، والسفيه هو: الذي لا يعرف مصلحة نفسه ولا يسعى في سبيلها، فكان أن ردَّ الله عليهم بقوله عنهم: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13]، وهذا يقتضي حصر السَّفه في المنافقين، ويقتضي أيضًا وصف الصحابة بأنهم العقلاء، بل ويقتضي حصر العقل فيهم لا في غيرهم.

- صالحة مصلحة:

فهي شخصية لا تعرف الفساد، وعندما طلب من المنافقين الكفَّ عن الفساد في الأرض، قالوا: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11]، فحصروا الصلاح في أنفسهم، وقلبوا المسألة فجمعوا على أنفسهم معصيتين: الإفساد في الأرض، واعتقاد أنهم مصلحون؛ ولذلك بَعُدت عودتهم للحق، ذلك أن الذي يُفسِد في الأرض ويعلم أنه مفسد أقربُ إلى العودة من المنافقين، فرد الله عليهم بحصر الفساد فيهم: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 12]، وهذا يقتضي حصر الصلاح في المؤمنين؛ صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.

- تتصف بصلاح الظاهر والباطن:

فبجانب كونها شخصية مؤمنة، انصلح بالإيمان باطنها، فهي أيضًا تتصف بصلاح الظاهر، فهي شخصية تؤمن بالغيب وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وكذلك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر إلى غير ذلك من أعمال الخير والصلاح، وهذه الأوصاف جعلتها خير شخصية تتحرك على وجه الأرض. قال الله -عز وجل-: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].

- حققت وصف "التقوى":

وذلك بأن جعلت بينها وبين عذاب الله وقاية بفعل ما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، وتجلى ذلك واضحًا في صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-. قال الله -تعالى- عنهم: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} [الفتح: 26].

- شديدة الاتباع لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

فهي شخصية لا تضع نفسها في شق، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شق آخر، كما أنها لا تضع نفسها في شق وصحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- في شق آخر، بل هي تقتدي بهم في اتباعهم لنبيهم -صلى الله عليه وسلم-؛ قال الله -عز وجل-: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، وقال -تعالى-: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100].

والسبق هنا كما يقول بعض المفسرين هو: سبق في الإيمان، وسبق في الامتثال لأوامر الله -عز وجل-، وقد اشترط الله فيمن اتبعهم أن يكون متبعًا لهم بإحسان في أقوالهم وأفعالهم لا فيما صدر عنهم من هفوات؛ فهم ليسوا معصومين.

- تسعى للإمامة في الدين:

قال الله -عز وجل-: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]، أي: اجعلنا نقتدي بمن قبلنا لنصلح أن يقتدي بنا من بعدنا، والله -عز وجل- لم يقل: "أئمة"، وذلك إشارة إلى أن طريقهم واحد، ومنهجهم واحد؛ فهو الإمام على الحقيقة. قال الله -عز وجل-: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153].

- تسبق إلى كل خير:

قال الله -عز وجل-: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف: 11]، وصحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- بلا شك هم أسبق الناس إلى كل خير، وهم أولى الناس بكل خير، وعلى هذا ينبغي أن يقتدي بهم من جاء بعدهم.

- ظاهرة على الحق لا يضرها من خذلها:

فالشخصية الإيمانية لا يضرها كيد الكائدين، ولا خداع المخادعين، ولا مكر الماكرين، ولا خذلان المتخاذلين، بل هي شخصية ماضية بثبات ويقين في طريقها إلى الله، وكل من خدعها ومكر بها وخذلها، واستهزأ بها؛ فإن كل ذلك سيعود عليه هو، قال الله -عز وجل-: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9]، وقال أيضًا: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]، وقال أيضًا: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» [رواه مسلم].

- تعتز بدينها وبعقيدتها:

وهي تلتمس هذه العزة من الله، فالله وحده هو الذي يخلق العزة في قلوب المؤمنين؛ قال الله -عز وجل-: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8]، وهذا إمام من أئمة المؤمنين، ونموذج رائع ممن أعزهم الله بهذا الدين، وهو الفاروق -رضي الله عنه- الذي قال قولته الخالدة لأبي عبيدة -رضي الله عنه-: "إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما نبتغي العز في غيره أذلنا الله".

- قد وقـَّعت صفقتها الرابحة مع الله -عز وجل-:

قال الله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111]، وقد ظهرت آثار هذه الصفقة واضحة جلية في سلوك من عقدوها ووقعوها، أمثال: سمية، وعمار، وياسر، وصهيب، وغيرهم -رضي الله عنهم-.

وفي صهيب -رضي الله عنه- عند أكثر المفسرين نزل قول الله -عز وجل-: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207]، فصهيب -رضي الله عنه- خرج بنفسه مهاجرًا إلى الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- تاركًا أمواله بمكة، فلحق به نفر من المشركين، فنزل عن دابته وأخذ قوسه ثم قال: تعلمون أني من أرماكم، ولن تصلوا إليَّ حتى أرمي بما في كنانتي -ثم استل سيفه- وأضرب به ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، فقالوا: لن نتركك تذهب عنا غنيًا وقد جئتنا صعلوكًا، نريدك أن تدلنا على مالك بمكة ونحن نخلي سبيلك، فوافق على ذلك، ودلهم على المال، فلما قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت قد نزلت هذه الآية، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى» [رواه الحاكم وابن سعد في الطبقات وأبو نعيم في الحلية، وأشار إلى صحته الشيخ أحمد شاكر].

{وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}: يقبل منهم اليسير من البذل، ويعطيهم الكثير من الأجر، يشتري من المؤمن ماله ونفسه؛ مع أنه -عز وجل- هو المالك للأنفس والأموال، ويبيع للمؤمن أعظم وأغلى سلعة وهي الجنة، وهي أيضًا ملك لله، هل يمكن أن نرى أحدًا في الدنيا يبيع ملكه بملكِه؟! نعم إنه حقـًا رءوف بالعباد.

- تعرف أنها ستبتلى:

قال الله -عز وجل-: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّـهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2-3]، وقال -عز وجل-: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

فالشخصية الإيمانية تعرف جيدًا أنها ستبتلى وتخطـِّئ كل من يحسب من المؤمنين أن كونه لم يُبتلى فهذا أمر حسن، وهي شخصية تعرف جيدًا أنه أشد الناس بلاءً: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل.

- صابرة محتسبة:

فهي شخصية تصبر على الطاعات وتحتسب الأجر عند الله، وتصبر عن المعصية وتحتسب الأجر عند الله، كما أنها شخصية محتسبة بمعنى أنها مكتفية بالله -عز وجل-، واثقة به وبما عنده، متوكلة عليه في عونه ونصره وتأييده.

قال الله -عز وجل-: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿١٧٢﴾ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّـهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿١٧٣﴾ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّـهِ ۗ وَاللَّـهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 172-174].

وقال -عز وجل-: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22].

وقال -عز وجل-: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 59].

والله وحده المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به.



بواسطة إدارة الموقع في 20/08/2011 4:41:01 (713 القراء)

كيف نقرأ سُوَرَ القرآن ؟
- كاتب المقال: د. عصام بن صالح العويِّد

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده :

القرآن حدائق ذات بهجة ، فإذا أتممت سورة وبدأت بأخرى فقد انتقلت من شجرة يانعة الثمرة إلى شجرة تشبهها بثمرة تختلف عنها ، وإذا انتقلت من حزب إلى حزب فمِن حديقة غنّاء إلى روضة أخرى ، فـ (السبع الطوال) و (ذوات الراء) (المسبحات السبع) و (الطواسيم) و (الم) و (الحواميم) و (المفصل) لكل حزب لونه وطعمه الخاص به ، ولكل سورة ذوقها الخاص بها ، فتذوقها برفق وحاذر الهرس! والجرش! فهو سبب التخمة والملل .

وهذا التنزيل العظيم هو مأدبة الله في الأرض ، والناس حولها ثلاثة أصناف : جائع محروم منها ، وسقيم يأكل وقد فقد حاسة الذوق فلم يتهنَّ بها ، ومعافى رأى على مأدبة الكريم (114) مختلفاً ألوانها فأصبح يطعم برفق وأدب كاملين ، وفي فمه مع كل (سورة) منها طعم وذوق وعِطر هو لها ، ولأختها من سور القرآن غيرها ،

فكيف نتذوق لذة القرآن ونميز حلاوة كل سورة في القرآن عن حلاوة أختها ؟

أولاً - ليكن بين يديك دائماً تفسير مختصر كالتفسير الميسر أو زبدة التفسير أو الجلالين أو المصباح المنير أو السراج في غريب القرآن لـ د.الخضيري ونحوها .

ثانياً - أحضر قلبك وحركه بالقرآن ، فإن شرد فقف والحق به ، ستتعب في البداية وسيذعن لك في النهاية ، وقد أطلت في بيان ضرورة ذلك في رسالة (فن التدبر) فلا اُطيل عليك هنا ، لكنْ لتكن على يقين أنه ضرورة كضرورة الروح للجسد .

ثالثاً - اجعل نفسك طَرَفاً ثم ظرْفاً لخطاب ربك ، اجعل القرآن مرآة نورانية ترى فيها أقوالك وأفعالك ، فهذا يُعطَر وهذا يُغسَل وهذا يُقص وهذا يُصفف وهذا يُعالج وهذا يُبتر إن لزم الأمر ، وهكذا .



رابعاً - قبل أن تبدأ بالسورة تأمل في اسمها أو أسمائها فهو مفتاحها الذي تدخل به إليها ، وقد قال ابن القيم في زاد المعاد (2 / 307) : لَمّا كَانَتْ الْأَسْمَاءُ قَوَالِبَ لِلْمَعَانِي ، وَدَالّةً عَلَيْهَا ، اقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا ارْتِبَاطٌ وَتَنَاسُبٌ وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمَعْنَى مَعَهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيّ الْمَحْضِ الّذِي لَا تَعَلّقَ لَهُ بِهَا ، فَإِنّ حِكْمَةَ الْحَكِيمِ تَأْبَى ذَلِكَ وَالْوَاقِعُ يَشْهَدُ بِخِلَافِهِ بَلْ لِلْأَسْمَاءِ تَأْثِيرٌ فِي الْمُسَمّيَاتِ وَلِلْمُسَمّيَاتِ تَأَثّرٌ عَنْ أَسْمَائِهَا فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَالْخِفّةِ وَالثّقَلِ وَاللّطَافَةِ وَالْكَثَافَةِ كَمَا قِيلَ

وَقَلّمَا أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَب *** إلّا وَمَعْنَاهُ إنْ فَكّرْتَ فِي لَقَبِهِ

... وَلَمّا كَانَ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ وَالْمُسَمّيَاتِ مِنْ الِارْتِبَاطِ وَالتّنَاسُبِ وَالْقَرَابَةِ مَا بَيْنَ قَوَالِبِ الْأَشْيَاءِ وَحَقَائِقِهَا ، وَمَا بَيْنَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَامِ عَبَرَ الْعَقْلُ مِنْ كُلّ مِنْهُمَا إلَى الْآخَرِ كَمَا كَانَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُ يَرَى الشّخْصَ فَيَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ فَلَا يَكَادُ يُخْطِئُ .. . الخ كلامه رحمه الله .

وهذا إن كان في غير القرآن فما بالك بالقرآن العظيم الذي أسماء سورة إما بنص كتاب أو سنة أو اجماع صحابة أو استفاضة في الأمة .

وكان الصحابة خصوصاً ابن عباس رضوان الله عليهم يعتنون بأسماء السور أو أوصافها التي تدل على مقصودها ورحاها الذي تدور حوله ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر الفاروق رضي الله عنه قيل له : سورة التوبة ؟ قال : هي إلى العذاب أقرب ما أقلعت عن الناس حتى ما كادت تدع منهم أحدا .

وعن حذيفة رضي الله عنه في براءة : يسمونها سورة التوبة وهي سورة العذاب . وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : قلت لابن عباس رضي الله عنهما : سورة التوبة ؟ قال : التوبة بل هي الفاضحة ما زالت تنزل ومنهم حتى ظننا أن لن يبقى منا أحد إلا ذكر فيها . وعن قتادة قال: كانت تسمَّى هذه السورة:(الفَاضِحَةَ)، فاضحة المنافقين.

وعن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : سورة الأنفال ؟ قال : تلك سورة بدر .

وفي صحيح البخاري عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس سورة الحشر . قال : قل بني النضير، أي سورة بني النضير .

وفي البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : جمعت المحكم في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت له وما المحكم ؟ قال المفصل .

قال سعيد بن جبير : إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم .

أعود لأقف مع بعض أسماء السور :

1- سورة الفاتحة : هذا هو اسمها الأشهر وهو محل إجماع يقيني في أمة القرآن ، قال ابن عاشور في التحرير : وفاتحة مشتقة من الفتح وهو إزالة حاجز عن مكانٍ مقصودٍ وُلُوجه فصيغتها تقتضي أن موصوفها شيء يزيل حاجزا .

فهي المفتاح الأعظم الذي يفتح لك كل باب للخير ، فهي مفتاحك لعلم الكتاب ، وهي مفتاح الحُجُب بينك وبين الله ، تأمل قول ابن كثير : وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب هو المناسب ؛ لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى ؛ فلهذا قال : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) . ويقول ابن عاشور : وما هنا التفات بديع ، فإن الحامد لما حمد الله تعالى ووصفه بعظيم الصفات بلغت به الفكرة منتهاها فتخيل نفسه في حضرة الربوبية ، فخاطب ربه بالإقبال .

هي أبواب تُفتح شيئاً فشيئاً لمن وفقه الله فتعلَّمَ كيف يَفتح بالفاتحة تلك الأبواب المغلقة .

2- سورة البقرة : سُميت بهذا الاسم في صحيح السنة المطهرة وتواتر ذلك في الأمة عالمها وعامتها ، ولها أسماء أخرى هي أوصاف لها ، وليس سديدا أن يُقال بأنها سميت بهذا الاسم لذكر البقرة فيها ، فاسم (البقرة) جاء أيضاً في غير هذه السورة كالأنعام ويوسف ، وقد ذُكر فيها (طالوت) عليه السلام والذي لم يأت ذكره إلا في سورة البقرة فكان الأولى التسمية به لأسباب لا تخفى لو كان هذا التعليل صحيحاً .

فما دلالة الاسم هنا ؟ سورة البقرة سورة أوامر ونواهي وهي مليئة بها حتى قال ابن العربي : سمعت بعض أشياخي يقول : فيها ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر . واسم (البقرة) ورد في سياق تعنت بني اسرائيل في الاستجابة لأمر موسى عليه السلام (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا) ثم (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ .. فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ) (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا) ... ، ولا يوجد في السورة قصة كهذه في تلجلج قوم مع أوامر نبيهم ، وكانت العاقبة (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ... ) .

فناسب تنبيه أمة محمد صلى الله عليه وسلم ألا يكونوا في موقفهم من أوامر "سورة البقرة" كأصحاب البقرة ؟

فكلما مرّ بك أمر أو نهي فيها فتذكر أصحاب البقرة .

3- سورة الكهف : هي كهفك من الفتن ، وهي المنجية من أعظم فتنة فتنة المسيح الدجال وفي ذلك أحاديث مشهورة صحيحة ، وقد ذكرت أصول الفتن الأربع وكيفية النجاة منها .

4 - سورة الحج : يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية : ‏سورة الحج‏‏ تضمنت منازلَ المسير إلى الله، بحيث لا قاطعٌ يقطع عنها‏.‏

وكلام هذا الإمام يحققه أن السورة سميت باسم الحج ، والحج في اللغة : هو القصد إلى معظم ، وأعظم مقصود هو العظيم سبحانه ، والناس كلهم سائرون إلى هذا العظيم في جلاله وجماله ورحمته وعذابه جل في علاه ، فالسورة إنما هي علامات ومنازل لهؤلاء السائرين ، من استدل بها بلغ ، ومن أعرض عنها انقطع .

وهكذا دواليك ،، فإن استغلق دونك هذا المفتاح الأخير ، وحار ذهنك في أسماء السور فدعه إلى حينه فهو مع عظيم أثره مِن مِلَح العلم لا من متينه .

لا حرمني الكريم وإياك لذة مأدبته التي أنزلها لي ولك ،،


« 1 2 3 (4) 5 6 7 ... 15 »
 
     

تطوير وإدارة إبراهيم

a1_5@hotmail.com