بحث متقدم

بواسطة إدارة الموقع في 29/09/2007 4:17:43 (1417 القراء)

منجم الكنوز الثمينة


د. علي بن عمر بادحدح

الحمد لله ما تَرطَّبتْ الألسن بذكره، وما عَملَتْ الجوارح بشكره، وما خَفقَتْ القلوب بحبه، وما سجدت الجباه لعظمته، وما رُفعَتْ الأيدي لمسألته، وما سارت الأقدام لطاعته، والصلاة والسلام على معلم البشرية، ومنقذ الإنسانية، منار الهدى، وعلم التُّقى، النبي المصطفى، والرسول المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن بهم اقتدى، وبعد :



المنجم يرتبط في الأذهان باستخراج بعض خيرات الأرض وحصول النعمة والثراء، والغالب أن يكون المنجم مختصاً بنوع واحد من تلك الخيرات، فكيف إذا احتوى أكثر من نوع، وكلُّها غالية الثمن نفيسة القيمة عظيمة النفع؟! وكيف إذا كان استخراج تلك الكنوز سهلاً ميسوراً لكل أحدِ دون حاجة لتخصص دقيق، ولا جهد كبير !!



لا شك أن الجميع سيكونون حريصين على أن يكون لهم النصيب الأعظم من كنوز المنجم الثمينة .



المنجم أمام عينيك، وتحت قدميك، وبين يديك، وهو طوع أمرك، ورهن إشارتك، ألست تراه؟، ألا تبدو لك كنوزه المتنوعة؟، ألا تغريك ثروته الغالية؟، انتبه... ما لك؟! ألا تُبصر الجموع الغفيرة تُقبل عليه وتأخذ منه؟، ألم يتكرر هذا المشهد أمامك كثيراً؟!، إنه منجمُ...لا لن أسميه لك بل سأنتقل إلى عرض بعض كنوزه فذلك أولى وأجدى.



كنز الفضائل والخصائص :



* مغفرة : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) [ متفق عليه ] .



* تكفير : ( فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدق ) [ متفق عليه ] .



* وقاية : ( الصيام جنة وحصن حصين من النار ) [ رواه أحمد ] .



* مثوبة : ( الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها ) [ رواه البخاري ] .



* خصوصية : ( إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم ) [ متفق عليه ] .



* شفاعة : ( الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ) [ رواه أحمد ] .



* فرحة : ( للصائم فرحتان فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه ) [ رواه مسلم ] .



* تفرد : ( عليك بالصوم فإنه لا مثل له ) [ رواه النسائي ] .



كنز القرآن والتلاوة :



{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } [ البقرة:185] ،عن عبدالله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام والشهوة، فشفعني فيه، ويقول القرآن: أي رب منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، قال: فيشفعا ) [ رواه أحمد ] .



كنز الصلاة والقيام :



{ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً } [ الإسراء:79 ]، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) [ متفق عليه ] .



كنز الذكر والدعاء :



{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [ البقرة:186] ، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم ) [ رواه الترمذي ] .



كنز الجود والإنفاق :



عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة ) [ متفق عليه ] .



كنز الإرادة والصبر :



« من حكم الصيام وفوائده العظيمة تقوية الإرادة في النفوس تلك الركيزة العظيمة التي عمل رجال الاجتماع وأصحاب التنظيم العسكري على تقويتها في المجتمع هذا الزمان، وقد سبقهم الدين الإسلامي على ذلك منذ أربعة عشر قريناً تقريباً، وما أحوج المسلم إلى أن يكون قوي الإرادة صادق العزيمة » (1)



« الصوم تقوية للإرادة، وتربية على الصبر، فالصائم يجوع وأمامه شهي الغذاء، ويعطش وبين يديه بارد الماء، ويعفُّ وبجانبه زوجته، لا رقيب عليه في ذلك إلا ربه، ولا سلطان إلا ضميره، ولا يسنده إلا إرادته القوية الواعية، يتكرر ذلك نحو خمس عشرة ساعة أو أكثر في كل يوم، وتسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين في كل عام، فأي مدرسة تقوم بتربية الإرادة الإنسانية وتعليم الصبر الجميل، كمدرسة الصيام التي يفتحها الإسلام إجبارياً للمسلمين في رمضان، وتطوعاً في غير رمضان ؟! » . (2)



كنز القوة والحرية :



« صوم رمضان من هذا الوجه إن هو إلا منهاج يتدرب به المرء على تحرير نفسه والانسحاب بها من أَسْر المادة وظلمة الشهوة، ليحيا ما شاء الله في ملكوت الحياة الحق ويكون له ما شاء الله من خصائص الخير والفضيلة، فالحرية الصحيحة لا يذوقها ولا يقدرها إلا من حيي هذه الحياة » (3)



« فرض الله الصيام ليتحرر الإنسان من سلطان غرائزه، وينطلق من سجن جسده، وتغلب على نزعات شهوته، ويتحكم في مظاهر حيوانيته، ويتشبه بالملائكة » (4)



كنز الرحمة والمساواة :



« رمضان الذي تتحقق فيه معاني الإنسانية، وتكون المساواة بين الناس، فلا يجوع واحد ويتخم الآخر، بل يشترك الناس كلهم في الجوع وفي الشبع، غنيهم وفقيرهم، فيحس الغني بألم الجوع ليذكره من بعد إذا جاءه من يقول له: أنا جوعان، ويعرف الفقير نعمة الله عليه، حين يعلم أن الغني يشتهي - على غناه - رغيفاً من الخبز أو كأساً من الماء » (5)



« فقرٌ إجباريٌ يراد به إشعار الإنسانية بطريقة عملية واضحة كلَّ الوضوح، أن الحياة الصحيحة وراء الحياة لا فيها، وأنها إنما تكون على أتمها حين يتساوى الناس في الشعور لا حين يختلفون، وحين يَتعاطَفُون بإحساس الألم الواحد، لا حين يتنازعون بإحساس الأهواء المتعددة » ، « ويجعل الناس فيه سواءً : ليس لجميعهم إلا شعور واحد وحس واحد وطبيعة واحدة ويُحكِم الأمر فيحول بين هذا البطن وبين المادة » (6)



كنز الخلق والسلوك :



« المقصود منه السمو بالنفس إلى المستوى الملائكي، وصون الحواس عن الشرور والآثام، فالكف عن الطعام والشراب ما هو إلا وسيلة إلى كف اللسان عن السب والشتم والصخب، وإلى كف اليد عن الأذى، وإلى كف البصر عن النظرة الخائنة، وإلى كف السمع عن الإصغاء للغيبة والنميمة والقول المنكر » (7)



« فألزمه سبحانه الصوم حتى إذا جاع وظمئ ذلّت نفسه، وانصدع كبره وفخره، وأحس أنه - مهما أوتي - فهو مسكين تُقعده اللقمة إذا فُقدت، وتُضعفه جرعة الماء إذا مُنعت، هنالك يُطامن من غروره، ويعترف بفضل الله عليه حتى في كسرة الخبز ورشفة البحر، ومتى عرف الله خافه، ومتى خافه استقام على الطريقة، وسار على الجادة، وترك ما كان فيه من بغي واستطالة وعلو في الأرض بغير الحق، وآثر رضوان الله على ترضية نفسه وصار رسول رحمة وسلام لكل من حوله من أبناء الإنسانية » (8)



وخذ أخيراً هذه الكلمات الجامعة: « للصوم فوائد: رفع الدرجات، وتكفير الخطيئات، وكسر الشهوات، وتكثير الصدقات، وتوفير الطاعات، وشكر عالم الخفيات، والانزجار عن خواطر المعاصي والمخالفات » (9)



ثم ماذا أيها الأخ الحبيب ؟ دونك الكنوز تتلألأ، والثروة تتهيأ، فماذا أنت فاعل؟!



إليك هذه الومضات :



* أخلص نيتك، واستحضر عزيمتك، وزكِّ نفسك، وطهر قلبك، وأجج أشواقك، وأعلن أفراحك .



* بادر بالتوبة، وأكثر من الاستغفار، وتحلَّ بالإنابة، واذرف دموع الندامة، واستعد لموسم النقاء بغسل الذنوب .



* احرص في الصلوات على التبكير وإدراك التكبير، والمواظبة على الرواتب، والاستكثار من الرغائب .



* خذ حظك من قيام الليل، ودعاء القنوت، وطول القيام والسجود، وارفع دعاء الأسحار، واملأ الثلث الأخير بالاستغفار .



* أدمن التلاوة، ورطب لسانك بالقرآن، وانهل من مائدة الرحمن، ونوِّر الليالي بالتجويد، وعطَّر الأيام بالترتيل .



* صل رحمك، وزر أقاربك، واعف عمن أخطأ، وتجاوز عمن هفا، واجمع أهل حي، وتقرب من جيرانك، وكرر اللقاء بإخوانك، وخص بمزيد من الود والحب والوصل أهلك وزوجك وأبناءك .



* اجعل لنفسك مع أهل بيتك برنامجاً إيمانياً لاغتنام الكنوز الثمينة، فجلسة للتلاوة، ولقاء للتاريخ، ورحلة للعمرة، ووقت للقيام، وحلقة للذكر، وفرصة للدرس، ولا تنس أن في الوقت بركة .



* احسب زكاتك، واجمع من زكاة أهلك وأقاربك، واستعن بإخوانك على وضعها في مصارفها، وتوصيلها لمستحقيها، واحرص على أن تُبادر وتُنافس في الإنفاق فهذا ميدان السباق .



* تذكر إخوانك المسلمين المضطهدين والمشردين والمظلومين في العراق وفلسطين وغيرهما، لا تنسهم من دعواتك وزكواتك، وعرِّف بأحوالهم وبين مكر وجرم أعدائهم، واكشف زيف الدعاوى المتعلقة بقضاياهم .


بواسطة إدارة الموقع في 24/09/2007 3:08:30 (1316 القراء)

الأرباح والخسائر
د. علي بن عمر بادحدح
جُلّ ما في هذه المقالة خارج عن رمضان، وبعيد عن فريضة الصيام، لكثرة ما يكتب عن فضائل رمضان وحِكَم الصيام، ولأنني رأيت أن هذا التركيز على الموضوعات ذات الصلة بهذا الموسم كأنما تختزل الزمان فيه، وتحصر العمل والبذل والأجر والفضل فيه، فأردت أن أبتعد عن رمضان إلى المدى الأوسع من الزمان، وأن أنأى عن الحديث عن الصيام إلى الآفاق الأرحب في معاني العبادة الواسعة، وأحسب أنك - أيها القارئ - ستوافقني على هذه الفكرة التي أعرضها .



نحن في رمضان نجتهد في الطاعات، ونحرص على اغتنام الأوقات، ونستحضر في أعمالنا ما ورد في شأنها من الأجور والحسنات، ومن ثم نشعر بأننا نجني الكثير من الأرباح، ونعظم رصيد الحسنات، فهناك أداء الفرائض من الصلوات، والسنن الرواتب من التطوعات، إضافة إلى قيام الليل وصلاة الوتر، فضلاً عن تلاوة القرآن والإكثار من الذكر، مع البذل والإنفاق، وحسن الصلة والارتفاق وغير ذلك من الأعمال، وذلك يشيع في نفوسنا فرحة غامرة وسعادة ظاهرة.



إن السؤال المطروح هنا هو :

هل هذه الأعمال وأجورها العظام مقصورة على رمضان ؟، وهل المسلم عموماً والدعاة والصالحون خصوصاً معنيون بتلك الأعمال في هذا الموسم فحسب ؟، ويدور في خاطري بقوة أين بقية العام؟، وأين أحد عشر شهراً من الزمان ؟



ومن هنا لفتت نظري واسترعت انتباهي وشغلت فكري كلمات ليحيى بن معاذ يقول فيها :" الدنيا حانوت المؤمنين، والليل والنهار رؤوس أموالهم، وصالح الأعمال بضائعهم، وجنة الخلد أرباحهم، ونار الأبد خسرانهم" (1) ، هذه الكلمات تلخص قصة الحياة كلها، وهي كلمات في غاية الوضوح والبساطة، رغم أن معانيها عميقة، ودلالاتها دقيقة، إنها كلمات تهزنا بقوة، وتوقظنا من الغفلة، لننظر إلى الآفاق الأوسع والأرحب، إلى الزمان كله لا شهر واحد منه، إلى الأعمال الصالحة كلها لا إلى الصوم وحده، حتى نعرف حقيقة الصفقة ورأس المال والبضاعة والأرباح والخسائر.



والآن أنتقل بك - أيها القارئ - إلى غيض من فيض من نصوص الأعمال الصالحة التي ليس لها خصوصية في رمضان سوى فضيلة الزمان ومزيد من مضاعفة الأجر، وهي عند المؤمنين الصادقين من برنامج حياتهم اليومي الذي يتوافر فيه الحرص والجد والاستمرار كما هو الشأن في رمضان، وإليك هذه الأمثلة :



- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (صلاة الرجل في جماعة تُضعّف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين درجة، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحُط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه : اللهم صل عليه اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة ) متفق عليه، أليس هذا في سائر الأيام من العام ؟.



- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم – وهو أعلم بهم – كيف تركتم عبادي؟، فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون ) متفق عليه، فهل هذه الشهادة مقتصرة على أيام وليالي رمضان ؟ فأين الجموع الغفيرة من شهود صلاة الفجر في سائر أيام العام ؟ .



- عن أنس رضي الله عنه قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة ) رواه الترمذي، فهل هذه الغنيمة العظيمة مقصورة على هذه الأيام الفاضلة ؟.



ومثل ذلك يقال في ما وردت به النصوص من فضائل الذكر وتلاوة القرآن وإنفاق المال وصلة الرحم وإطعام الطعام وكل عمل من الأعمال التي نحرص عليها في رمضان، فبقدر ما نفكر في عظمة الأرباح في رمضان - وهو شهر من العام – بقدر ما يجب أن نفكر في فداحة الخسارة وضياع الغنائم التي نفرط فيها على مدى بقية أيام العام، وهنا يخطر ببالي أسئلة شديدة لإيقاظنا من الغفلة، هل هناك مدرسة أو جامعة تكتفي بالتعليم شهراً كل عام ؟ وهل هناك أسواق وشركات لا تعمل إلا شهراً في العام ؟ وهل هناك مستشفيات لا تستقبل المرضى إلا شهراً في العام ؟ وما هي حال أي مجتمع يمكن أن نتصور فيه مثل ذلك ؟ إن العمل مستمر لا ينقطع وهناك حدود دنيا أساسية لا تتوقف، والمواسم ليست – في الجملة - لاستحداث أعمال لا وجود لها، بل جلها زيادة ومضاعفة في الأعمال المعروفة ومزيد من اغتنام الأوقات للحصول على أرباح أكثر، وهنا حديثي عن الفرائض وعن أساسيات من التطوعات خاصة بالنسبة للدعاة، أين هي في غير رمضان ؟ وكم هو الخسران في تركها وهجرانها ؟ وهل خسائر أحد عشر شهراً يكفي دائماً أن تعوضها أرباح شهر واحد ؟ أليست المساجد تشكو – في غير رمضان – قلة المصلين ؟ أليست المصاحف تشكو قلة التالين ؟ أليست الأرحام تشكو قلة الواصلين ؟ أليس ذوو الحاجات يشكون قلة المنفقين ؟ كم هي الخسائر فادحة وعظيمة ؟ ألسنا نلحظ هذه الصورة تتكرر في كل الأعوام ؟ وتقع من جماهير غفيرة من أهل الإسلام ؟ وهنا يثور سؤال حزين يمكن التحفظ عليه وهو:



ما فائدة رمضان وما جدواه إن لم يبق أثره ولم يدم نفعه، بل إن جاء بعده عكسه، وخلفه وراءه ما ينقضه ؟! .



دعوني من حالنا المزرية هذه واسمحوا لي أن أنقلكم إلى أجواء كلمة يحيى بن معاذ، فهذا أبو محمد الجريري يقول: قصدت الجنيد فوجدته يصلي فأطال جداً فلما فرغ قلت : قد كبرت ووهن عظمك ورق جلدك وضعفت قوتك ولو اقتصرت على بعض صلاتك، فقال: اسكت ، طريق عرفنا به ربنا، لا ينبغي لنا أن نقتصر منه على بعضه، والنفس ما حملتها تتحمل، والصلاة صلة والسجود قربة ولهذا قال تعالى:}وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ{، ومن ترك طريق القرب يوشك أن يُسلَك به طريق البعد، ثم أنشد :

صبرت عن اللذات حتى تولت *** وألزمت نفسي هجرها فاستمرتِ

وكانت على الأيام نفسي عزيزة *** فلما رأت صبري على الذل ذلتِ

وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ***فإن تُوِّقَتْ تاقت وإلا تسلتِ (1)



فهل لكم – معاشر الدعاة – من هذا الموقف وتلك الكلمات من تذكرة لنعمر الحياة كلها بالطاعة ونغمرها بحسن الصلة بالله ؟.



إن السر في تلك الصلة المستمرة هو حسن الفقه والفهم من جهة، ولذة الطاعة وحلاوتها من جهة أخرى، وإليك في كل جهة إيضاح :



ففي الفهم نقف مع قوله تعالى:{ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }، حيث قال بعض المفسرين: الحياة الطيبة هو ما يفتح عليه من لذة العبادة وطيب المناجاة وبرد الرضا بقضاء الله... وهذا باب من فتح له فيه يجب عليه أن يلزمه وأن يتعلق بالأسباب المثبتة له ويستعين بالله عز وجل ويسأله التأييد فيه ، ويصبر ويصابر فعسى ولعل وما ذاك على الله بعزيز وإنه عليه ليسير (3).



وفي اللذة إليك ما أجاب به (حمامة العابد) عندما سأل ما أفضل عملك ؟ فقال:" ما أتتني صلاة قط إلا وأنا مستعد لها ومشتاق إليها، وما انصرفت من صلاة قط إلا كنت إذا انصرفت منها أشوق إليها مني حيث كنت فيها، ولولا أن الفرائض تقطع لأحببت أن أكون ليلي ونهاري قائماً راكعاً ساجداً " (4).



فهل ندرك - بعد كل ما ذكرت – دلالة العبارة التي نكررها: أن رب رمضان هو رب سائر أيام العام، فهل تدركون أيها الدعاة بل أيها المسلمون كم هي الخسائر العظيمة على مدى هذه الأيام التي تنقطع فيها الأعمال؟ .



وأخيراً هل ندرك أن دوام الأعمال وعظمة الأرباح مقرون بروح العبادة وخشوعها ولذتها وحلاوتها ؟، فمن لم يجد ذلك ويجتهد في تحصيله فإنه يفقد سبباً من أعظم أسباب الاستمرار والدوام، واستحضروا معي دائماً كلمة يحي بن معاذ .


بواسطة إدارة الموقع في 4/09/2007 2:53:18 (1486 القراء)

الشعائر بين الحقائق والمظاهر



عبد العزيز بن عبد الله الحسيني


تأمل العبادات في القرآن والسنة وستجد أن من أهم مقاصدها ؛ تهذيب سلوك المسلم وتزكية أخلاقه، فتأمل مثلاً الغاية والغرض من الصلاة يقول تعالى " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" [ العنكبوت :45] فالذي لا تأمره صلاته عن الرذائل من القول والعمل ، فإن صلاته لم تُحقق مقصداً من أهم مقاصدها.

وتأمل ثمرة الصيام والغرض منه " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون " [ البقرة: 183]، فليس الغرض من الصيام مجرد امتناع مؤقت عن الأكل والشرب فحسب؛ بل اعتبره الشارع خطوة وتربية لحرمان النفس دائماً من شهواتها المحظورة ونزواتها المنكرة ، كاللغو والرفث وقول الزور والعمل به ونحو ذلك..

وتأمل الغرض من الزكاة في قوله تعالى" خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها.. "[التوبة :103]، فليست الزكاة مجرد ضريبة تؤخذ من الأغنياء؛ بل هي أولاً غرس وتربية على الأخلاق الجميلة وتصفية من الأخلاق الذميمة. يقول ابن سعدي رحمه الله في تفسيره " تطهرهم : أي تُطهرهم من الذنوب والأخلاق الرذيلة. وتُزكيهم : أي تنميهم، وتزيد في أخلاقهم الحسنة.."[ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 3/292].

وتأمل أيضاً الغرض من الحج، فهو ليس رحلة مجردة عن المعاني الخُلقية وإنما تربية على اجتناب العادات المرذولة من الرفث والفسق والجدال قال تعالى " الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحـج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج .." [ البقرة:197]. وهكذا بقية التكاليف.. .

وما ذكرته إنما هو صورة مجملة لأركان الإسلام فحسب، وإلا فجميع التكاليف تهدف أول ما تهدف إلى تزكية سلوك المسلم وتهذيب أخلاقه، ومن يمعن النظر في النصوص التي تضمنها القرآن والسنة يجدها زاخرة بالمبادئ والمثل الأخلاقية والسلوكية التي لا يوجد لها مثيل في أي دين أو تشريع آخر ، ويكفي أن الرسول صلى الله عليه وسلم حصر الغرض من بعثته كلها بقوله " إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"[مسند الإمام أحمد 2/381 ].

ومن يريد أن يبني نفسه فإن من أولويات ذلك البناء السلوكي والأخلاقي، وكم يحزننا ويجرح مشاعرنا؛ ما نسمعه ونراه من (بعض المتدينين) الذين يفصلون بين تلك العبادات وآثارها، فتجد بعضهم حريصاً على مظهره الخارجي ، محافظاً على كثير من أمور العبادة من صلاة وصيام وحج وعمرة وغيرها..، بل وتجد بعضهم يترفع عن بعض المباحات خشية من الوقوع في المكروهات، وهذا شيء يُحمدون عليه؛ إلا إن بعضهم في المقابل لا يلتفت إلى (آثار) تلك العبادات التي (يجب) أن تظهر على سلوكه وأخلاقه وتعامله، فترى بعضهم يتصف بالشراسة وسـوء الخلق مع من يتعاملون معه، وبعضهم الآخر تجده رقيقاً هيناً ليناً بشوشاً مع أصدقائه وزملائه، ولكنه يصبح شخصاً آخر مع أقرب الناس إليه، وبالذات مع الوالدة أو الوالد أو الزوجة الذين لا يرون منه إلا الجانب الآخر!!.

والناس إنما يهتمون بشكل بالغ وارتباط وثيق مع سلوك المتدين أكثر من كلامه، ولعل من أهم أسباب تراجع الدعوة في هذا الزمن وعدم استمرار انسيابها بين أفراد مجتمعاتنا العربية والإسلامية، بل ومجتمعات العالم كله؛ سوء سلوك بعض المسلمين، والفصام النكد بين بعض من ينتسب لهذا الدين؛ وتطبيقهم له واقعاً ملموساً في حياتهم وتعاملاتهم، وما علموا أنهم قد يصبحون فتنة يصدون كثير من الناس عن الالتحاق بركب هذا الدين بسوء سلوكهم الذي كان في يوم من الأيام سبب دخول دول بكاملها في الإسلام.

وإذا أردت أن تقف على أهمية السلوك الجيد والتعامل الحسن في حياة المسلم عامة والداعية خاصة؛ فانظر إلى أثره البالغ عند حديث الناس عن الشخص المتدين، فهم لا ينظرون إلى قوة التـزامه ولا كثرة كلامه وخطبه بقدر ما ينظرون إلى سلوكه وحسن تعامله. بل انظر إلى أثره البالغ في إسلام شعوب بكاملها ودخولهم في دين الله أفواجاً، فأهل أندنوسيا وأفغانستان وباكستان والهند وبنقلاديش والجمهوريات الإسلامية..، وكذا معظم الشعوب الإسلامية في أفريقيا والأمريكتين وأوربا؛ بل وفي كل مكان، إنما دخل معظم أولئك في دين الله أفواجاً بسبب مارأوه من حسن تعامل المسلمين ، وإعجابهم بكريم أخلاقهم، وإخلاصهم في بيعهم وشرائهم ، وعدم ظلمهم أو غشهم..، وعندما تخلف هذا السلوك عند عامة المسلمين، تخلفت الأمة حضارياً، وأصبح يُنظر إليها نظرة احتقار ودونية، نرى هذا ونلمسه عند قطاع عريض من شعوب العالم !!.

ووالله لو تُرك الإسلام ينتشر بنفسه ودون أي مؤثرات سلبية أو معوقات سلوكية، لرأيت من قوة انتشاره مرة أخرى ؛ ما لا تستطيع أي قوة أخرى إيقافه أو الحد منه أو السيطرة على سرعة انتشاره.

وإنها لخدمة عظيمة نسديها لأمتنا ولديننا، حينما نُربي أنفسنا على الأخلاق الجيدة، وحسن التعامل مع الغير، وإظهار محاسن الإسلام، ومبادئه العظام، بتمثله واقعاً في جميع علاقاتنا وتصرفاتنا وأفعالنا مع المسلم وغير المسلم.



بواسطة إدارة الموقع في 26/08/2007 3:43:49 (1427 القراء)

حسن الطلب للحاجة



للكاتب : محمد بن إبراهيم الحمد


جاء في كتب السير أن سائلة فقيرة قالت لسعيد بن العاص -وهو من الأجواد المعروفين-: "أشكو إليك قلة الجرذان في بيتي".
ففطن لمقولتها، وقال: "ما أحسن مَسْأَلَتَها؛ املأوا بيتها سمناً ودقيقاً".

وجاء في سيرة وزير الأندلس محمد بن الخطيب السلماني أنه قال عند سفارته من ملك غرناطة إلى ملك المغرب ابن عنان أبياته المشهورة التي ارتجلها عند الدخول إليه، والتي يقول طالعها:

خليفةَ اللهِ ساعَدَ القدرُ *** عُلاك ما لاح في الدُّجا قَمَرُ

ثم قال:

والناس طُرَّاً [1] بأرض أندلسٍ *** لولاك ما وطنوا وما عَمَروا
وقد أَهَمتْهُمْ نفوسُهُمُ *** فوجهوني إليك وانتظروا

فقال له ابن عنان: "ما ترجع إليهم إلا بجميع مطالبهم".
وأذن له بالجلوس؛ فسلَّم عليه.

قال القاضي أبو القاسم الشريف قاضي غرناطة المتوفى سنة 760 -وكان من جملة الوفد-: "لم نسمع بسفير قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان إلا هذا".

وجاء في سيرة القاضي أبي البركات التلمساني أنه لما عزم على الرحلة من المغرب إلى المشرق لما ضاق عليه العيش - كتب إليه ابن خاتمة بالأبيات التالية:

أشمسَ الغربِ حقاً ما سمعنا *** بأنك قد سَئِمتَ من الإقامة
وأنك قد عزمتَ على طلوع *** إلى شرقٍ سموتَ به علامة
لقد زلزلتَ منا كلَّ قلبٍ *** بحق الله لا تُقِمِ القيامة

فحلف أبو البركاتِ ألا يرحل من إقليم فيه من يقول مثل هذا.
فتلك القصص، وغيرها كثير في كتب السير - مما يؤكد صحة المقولة التي أطلقها الأوائل: "حسن طلب الحاجة نصف العلم".
وكلما تقدم الإنسانُ في العمر، وتقلَّب في المشاهدات، ومجاري الأحداث - رأى صحةَ تلك المقولة؛ فتجد من الناس من يحسن السؤال والطلب والعرض؛ فيجاب عن سؤاله، وتُلبى له طَلِبته، ويُشكر له حسن عرضه، أو يعتذر له اعتذاراً يليق به، خصوصاً إذا صادف ذلك الحُسْن محلاً قابلاً، وأرضاً ذات زرع.
ولقد كان الأكابرُ والعظماء يقدرون مَنْ يرعى هذا الجانب -كما مر-.
كما كانوا يعيبون مَنْ يُقَصِّر في هذا، ويعدُّونه زرايةً به، ومنقصةً في حقه.

ولهذا لما انتجع جريرٌ عبدَالملكِ بنَ مروانَ بقصيدتَه المشهورةِ التي يقول مطلعها:

أتصحو أم فؤادُك غير صاحِ *** عَشِيَّةَ همَّ صحبُك بالرواح

قال له عبدُالملك: بل أنت فؤادك غير صاح.
وكان جريرٌ يَقْصِدُ نفسَه؛ حيث جرد منها ذاتاً أخرى، غير أن عبدالملك -وهو البصير النقَّادة الخبير- أراد أن يلفت نظر جرير، وينبهه إلى سوء مطلعه.
ولما وصل جرير إلى قوله:

ألستم خير من ركب المطايا *** وأندى العالمين بطون راح

تهلل وجه عبدالملك، وبلغ به الارتياح إلى أن أمر لجرير بعطاء جزل قوامه مائة ناقة وزيادة.

ومن هذا القبيل ما عابوه على قول من قال في ممدوح له يجتديه:

فرشني بسيب لا أكونن ومدحتي *** كناحت يوماً صخرة بعسيل [2]

فمثل هذه السير ترشد السائل في مسائل العلم وغيرها، وترشد طالب الحاجة سواء كانت له أو لغيره، وسواء كانت في أمور خاصة أو عامة - إلى أن يحسن العرض، ويتلطف في الطلب دون تكلف، أو تملُّق؛ فذلك أحرى لنيل بغيته، وإجابة طَلِبَتِه.

----------------------------------------
[1] - طُرَّاً: يعني جميعاً.
[2] - معنى قوله: (فرشني): أي أعطني، وقوله: (بسيب): أي بعطاء، وقوله: (بعسيل): العسيل ريشة المكحلة.
ومعنى البيت: أعطني عطاءاً، ولا تجعلني كمن يبري صخرة صماء بريشة مكحلة؛ فمثل هذا لا يحصل على شيء.
وهذا البيت في غاية الجفاء وسوء الطَّلِبة.



بواسطة إدارة الموقع في 18/08/2007 2:58:01 (1290 القراء)

أثر ثقافة الغير على الفكر


مما أنعمه الله على هذا العبد الضعيف عقل وفكر يستنير بهما دروب الحياة ، ويميز بهما بين الحق والباطل ، وبين الضار والنافع ، وبين الخير والشر ، ومحلاً للجزاء والعقاب ، ومرمى للثناء والذم ، بواسطتهما يخطط لمستقبل حياته ، ويستعين بهما لتنوير الأمة طريقها ، والنهوض بها ، وبحبلهما يساهم في إنقاذ من تاه وانسلخ مع الأمواج إلى بر الأمان .

إلا أن هناك بواعث ومؤثرات تجنح بالفكر ، وتقف خلف كثير من التحولات فمرة إلى أقصى اليمين ، ومرة أخرى إلى أقصى اليسار ، وسبب لطروحات حادة يستعصي معها الفهم والتحليل .

ومن تلك البواعث والمؤثرات في هذا العصر فهم نصوص الوحي على ما تمليه الثقافة الغربية ، فتجد من يأخذ نصاً من كتاب أو سنة فيعطيه معنى من معاني هذه الثقافة الغربية له لوازم لا تناسب مع بقية نصوص الكتاب والسنة ؛ فإما أن يتقبل بهذه اللوازم فيمضي في تحريفه إلى نهايته .

وإما أن ينكر هذه النصوص فيقع في التناقض والحرج ، ويكون من أهل هذه الآية قال عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} " سورة النساء : آية 150" .

ومثال هذه النصوص التي سير فيها على هذه الطريقة قوله تعالى : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } " سورة البقرة : آية 256" .
فهذا نص صار يستدل به البعض على بما يسمى بالحرية الدينة على ما يريده الغرب مما يقتضي أن يكون من حق الإنسان أن يدخل في الدين أو يخرج منه متى شاء ، فتكون الردة أمراً مباحاً لا جريمة يعاقب عليها مرتكبها .

ومن ثم يقول ليس هناك نص فيه تجريم المرتد ؛ فإذا قلت له قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } " سورة محمد : 25ـ 28" .

فيقول بكل جرأة هذا عقاب أخروي . وكذا يسير مع آية أخر نحو قوله تعالى : { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} " سورة البقرة ، آية 217" .

فإذا أتيت بنصوص من السنة صحيحة صريحة لا غبار عليها تجرِّم الردة وتعاقب عليها نحو ما أخرجه البخاري عن ابن عباس : " من بدل دينه فاقتلوه " .
فيجيبك بشبهة واهية تعاقب عليها الأجيال ، الخلف يستقيها من سلفه ، وهو أن هذه التجريم والعقوبة واردة في أحاديث آحاد ، والحدود لا تثبت بحديث آحاد .



--------------------------------------------------------------------------------


* غَبَش الرؤية والفكر :


من الصفات الجميلة في المفكر وغيره وضوح الرؤية ؛ التي تعني إدراك الأشياء على حقيقته ؛ فيرى الجميل جميلاً ، والقبيح قبيحاً .

وما الاضطراب في الفكر لدى فئام من الناس الذي أوصلهم إلى عالم الزندقة ، وكذا الجنوح الثقافي الذي أوصل ثلة من المثقفين إلى درجة الذبذبان ، والتردد إلا نتيجة لغبش الرؤية ووضوحها ؛ لأنهم عندما ينظرون ، ينظرون إلى مظاهر الأشياء ، أو بعض أجزائها ، أو من زوايا ضيقة ؛ ثم ينطلقون في تصوراتهم وآرائهم من خلالها ، ولهذا نجدهم عند قرائتهم لبعض النصوص يستخلصون من نصاً واحد آراء وطروحات متباينة ومتناقضة .

ومما يزيد في غبش الرؤية شلة ورفقاء الدرب الكبار في الفكر ، ولهذا نجد الواحد إذا انطلق في فضاء القراءة النزيهة ، البعيدة عن الوصاية ، واتصال ببعض من يحملون التصور الصحيح ، وقف على حقائق الأمور ، وعرف الصحيح من السقيم ، وأن ما كان عليه في السابق سراب في أرض قاحلة فسيحة .

أشار خالد محمد إلى أن ضيق التصور هو الذي جرفه في طرق منحرفة من التفكير قبل أن يعود إلى جادة الطريق ، وحينما عاد رأى الأشياء بوضوح ؛ فعرف أنه كان واهماً في رحلته السابقة .

إبراهيم بن محمد السعوي
القصيم ـ بريدة
ams2041@naseej.com



« 1 (2) 3 4 5 6 »
 
     

تطوير وإدارة إبراهيم

a1_5@hotmail.com