الأخــســرون أعــمــالاً

التاريخ 27/08/2012 5:00:14 | القسم : مقالات قرآنية

الأخــســرون أعــمــالاً

بقلم: السيد هاشم الموسوي



قال تعالى: (قُل هل نُنَبِئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً).الكهف: 103، نستفيد من الآية الكريمة عدة دروس:

1- الدرس الأول: يتمثل في التوقف على مفردة (أعمالا) فالآية لم تقل (الأخسرين عملاً) بل جمعت هذه اللفظة فقالت (أعمالاً) ونستفيد من ذلك أن العمل حتى لو كان كثيراً وعظيماً من حيث الكم فإن هذه الأعمال تفتقر إلى القبول الإلهي إذا لم تتوفر على شروط القبول ومن أهمها الإيمان بالله وتوحيده والإخلاص له فليس المهم أن تكون لنا أعمالاً وإنجازات وإحصائيات وأرقاماً قياسية، ونحن لا نغفل هنا الكم وأهميته، ولا ندعو إلى ضعف الهمة في العمل الخيري، ولكن نقول إن الكثرة غير المستندة إلى أساس وهو أساس التوحيد في العقيدة والإخلاص في العمل تفتقر إلى القبول من الله تعالى.


2- الدرس الثاني: ويستفاد أيضاً من مفردة (أعمالاً) حيث يشير صاحب تفسير الأمثل أن الله تعالى عبر بـ (الأخسرين أعمالاً) ولم يعبر بـ (الأخسرين عملا) مع أن التمييز يكون عادة مفرد ويعلل ذلك بأن الصياغة القرآنية تشير إلى أنهم لم يخسروا عملاً واحداً بل إن جهلهم المركب جعلهم يخسرون كل البرامج وكل الأعمال، فقد يخسر التاجر في معاملة ويربح في أخرى ويغطي ربحه خسارته فتكون المحصلة النهائية هي الربح، هؤلاء ليسوا كذلك بل خسروا بجهلهم المركب الجهد الذي بذلوه وأتعبوا أنفسهم في إنجازه.


3- الدرس الثالث: أيضاً في كلمة (أعمالا) فإن هذه الأعمال الكثيرة قد تقود الإنسان إلى العُجب والإنسان الذي لا عمل له ينجو من داء العجب، بينما صاحب الأعمال الكثيرة يصاب بهذا الداء، هذا ما يستفيده المربي الفاضل سماحة الشيخ حبيب الكاظمي كما في موقعه (السراج ) في تأملاته حول هذه الآية المباركة.


4- الدرس الرابع: الحذر الدائم من كون عمل الإنسان غير مقبول عند الله، ولهذا ينبغي المداومة على دعاء (اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً) حتى لا يغفل الإنسان وهو في غمرة العمل عن ضرورة مقبولية عمله من قبل الله تعالى، و الإنسان قد يبدأ العمل بإخلاص وصدق نية ولكنه في منتصف الطريق يصاب بداء العجب أو الرياء أو الحقد أو الاصطدام في خلافات مع المؤمنين تكوِّن عنده ما يعكر صفو هذا الإخلاص الذي بدأ به وهذا ما نستفيده من الدعاء المبارك (وأستغفرك لما أردت به وجهك فخالطني ما ليس لك) فالإنسان ينبغي عليه أن يراقب منطلقات العمل قبل بدايته، ويراقب نفسه أثناء العمل ثم يحاسب نفسه بعد العمل، وهو ما يصطلح عليه علماء الأخلاق بالمشارطة والمراقبة والمحاسبة، لكي يطمئن إلى سلامة عمله وقبوله عند الله تعالى.


5- الدرس الخامس: إن الإنسان يمكنه الآن أن يراجع نفسه في هذه الدنيا لكي يتأكد ويتيقن أنه على الصراط المستقيم، لأن الإنسان يمكنه أن يتدارك ضلاله في هذه الدنيا بالتوبة والرجوع إلى الله، أما إذا لم يتدارك هذا الأمر فإن الخسارة لا تعوض في العالم الآخر، فالصفحة قد طويت والوقت قد انتهى والعمر قد انقضى وخسر الإنسان صفقته، ففي الدنيا عملٌ ولا حساب أما في الآخرة فحساب ولا عمل.


6- الدرس السادس: أهمية البصيرة في حياة الإنسان فكما ورد في الحديث أن (السائر على غير بصيرة، كالسائر على غير الطريق.. لا تزيده كثرة السير إلا بعدا) إذن سرعة المشي مهمة إلى درجة كبيرة في التمايز بين المتسابقين ولكنها عندما تكون في غير الطريق المطلوب تبعد الإنسان عن نقطة الوصول بدلاً من أن تقربه منها، والبصيرة هي بمثابة خارطة الطريق التي توصل الإنسان إلى الله تعالى، والسير بدون هدى هذه الخارطة يجعل الإنسان من الخاسرين لأنه لن يصل إلى النقطة المطلوبة.


7- الدرس السابع: الخسارة خسارتان فلم تعبر الآية عن الذي يخسر أمواله في صفقة دنيوية أنه من الأخسرين، لأن الصفقة الدنيوية مهما كبرت فإنها تعوض وهي دار فانية زائلة سرعان ما تنقضي وتتلاشى، ولكن الآية استخدمت صيغة المبالغة وهي (الأخسرين) لمن لا يمكنه أن يعوض تلك الخسارة في ذلك العالم قال تعالى : (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) الزمر: (47)، فإذا كانت الصدقة تدفع البلاء وصدقة السر تطفئ غضب الرب في هذه الدنيا، وحتى شق التمرة له تأثير هنا ففي تلك الدار لا تنفع الإنسان ثروات تقدر بما في الأرض جميعا ومثله معه، وهنا يكون الإنسان من الأخسرين أعمالاً حيث لا يستطيع أن يفدي نفسه من سوء العذاب يوم القيامة.



هذه المقالة من موقع قرآن الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة مكة المكرمة
http://www.quranmakkah.org

عنوان هذه المقالة هو :
http://www.quranmakkah.org/article.php?storyid=109